قصة نجاح شركة مطلق الغويري للمقاولات: كيف بنت شركة سعودية حضورها في البنية التحتية عبر 47 عامًا من التنفيذ والانضباط التشغيلي

29 مايو 2026
مدونة مكنة
قصة نجاح شركة مطلق الغويري للمقاولات: كيف بنت شركة سعودية حضورها في البنية التحتية عبر 47 عامًا من التنفيذ والانضباط التشغيلي

تحرير: مدونة مكنة



النمو الهادي في قطاع لا يرحم الأخطاء

في قطاع المقاولات والبنية التحتية، لا تصنع الشركات الكبرى عبر الحملات التسويقية أو النمو السريع فقط، بل عبر سنوات طويلة من التنفيذ، وإدارة المشاريع، وبناء الثقة مع العملاء والجهات المالكة للمشاريع. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة قصة شركة مطلق الغويري للمقاولات، التي بدأت كمؤسسة فردية صغيرة عام 1977، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى واحدة من الشركات السعودية العاملة في مشاريع البنية التحتية والمياه والتشغيل والصيانة، وصولًا إلى الاستعداد للإدراج في السوق الرئيسية السعودية عبر طرح عام أولي يمثل 30% من رأس المال. ما يميز رحلة الشركة ليس فقط طولها الزمني، بل طبيعة القطاع الذي تعمل فيه؛ فالبنية التحتية قطاع عالي المخاطر، طويل الدورة التشغيلية، ويتطلب قدرات تنفيذية ومالية ومؤسسية يصعب بناؤها سريعًا.

واليوم، تمتلك الشركة:

  • أكثر من 4,700 موظف
  • أكثر من 450 مهندسًا
  • أعمالًا مقرر تنفيذها بقيمة 10.6 مليار ريال
  • سجلًا يمتد لأكثر من 47 عامًا



البدايات: مؤسسة صغيرة برأس مال 200 ألف ريال

بدأت الشركة في عام 1977 تحت اسم “مؤسسة مطلق الغويري للمقاولات” برأس مال بلغ 200 ألف ريال سعودي. وفي ذلك الوقت، كان قطاع المقاولات السعودي يشهد توسعًا تدريجيًا مع تنامي مشاريع البنية الأساسية والتنمية العمرانية. لكن الدخول إلى هذا القطاع لم يكن يعني فقط امتلاك معدات أو عمالة، بل القدرة على:

  • تنفيذ المشاريع وفق الجداول الزمنية
  • إدارة التكاليف بكفاءة
  • الحفاظ على الجودة
  • بناء الثقة مع الجهات المالكة للمشاريع

وهي عوامل تحدد استمرارية الشركات في السوق أكثر من حجمها اللحظي. وبعد نحو 30 عامًا من العمل كمؤسسة فردية، تحولت الشركة في عام 2007 إلى شركة ذات مسؤولية محدودة برأس مال مليون ريال سعودي، قبل أن تتحول في عام 2017 إلى شركة مساهمة سعودية مقفلة. هذا التحول المؤسسي لم يكن مجرد تعديل قانوني، بل كان انتقالًا تدريجيًا من نموذج المقاول التقليدي إلى نموذج أكثر مؤسسية واستعدادًا للنمو طويل الأجل.





التحول المؤسسي: من المقاول التنفيذي إلى الشركة الجاهزة للسوق

مرت الشركة بعدة محطات مفصلية:

  • 1977: تأسيس المؤسسة الفردية
  • 2007: التحول إلى شركة ذات مسؤولية محدودة
  • 2017: التحول إلى شركة مساهمة مقفلة
  • 2023: رفع رأس المال إلى 300 مليون ريال
  • 2024: رفع رأس المال إلى 800 مليون ريال
  • 2026: الاستعداد للطرح العام الأولي

هذه التحولات تكشف انتقال الشركة من مرحلة “المقاول التنفيذي” إلى مرحلة “المنصة المؤسسية” القادرة على التعامل مع المستثمرين، والسوق المالية، ومتطلبات الحوكمة والإفصاح. فرفع رأس المال لم يكن مجرد رقم جديد في السجل التجاري، بل إشارة إلى أن الشركة تعيد ترتيب بنيتها الرأسمالية قبل دخول مرحلة أكثر انفتاحًا على المستثمرين.



الطرح العام الأولي: إدراج لا تمويل مباشر للنمو

تستعد شركة مطلق الغويري للمقاولات لطرح 240 مليون سهم تمثل 30% من رأس مالها في السوق الرئيسية السعودية. ويُخصص ما يصل إلى 72 مليون سهم للمكتتبين الأفراد، فيما تُخصص النسبة المتبقية للفئات المشاركة. لكن النقطة الجوهرية في هذا الطرح أنه طرح ثانوي؛ أي أن الشركة نفسها لن تحصل على متحصلات الطرح، بل ستذهب إلى المساهمين البائعين. لذلك، فإن الطرح يمثل انتقالًا جزئيًا للملكية أكثر من كونه وسيلة تمويل مباشر للتوسع. ورغم أن هذا قد يبدو أقل جاذبية مقارنة بالاكتتابات التي تضخ سيولة مباشرة في الشركات، إلا أن وضع الشركة مختلف؛ فهي تدخل مرحلة الإدراج وهي تمتلك:

  • قاعدة تشغيلية كبيرة
  • سجلًا تنفيذيًا طويلًا
  • محفظة مشاريع ضخمة
  • حضورًا في قطاعات البنية التحتية الرئيسية




القيادة والحوكمة: اختبار الثقة بعد الإدراج

يرأس مجلس إدارة الشركة مطلق بن داموك بن مطلق الغويري العتيبي، بينما يشغل طراد داموك مطلق الغويري منصب نائب رئيس مجلس الإدارة. كما يضم المجلس عددًا من الأعضاء المستقلين، منهم إبراهيم بن علي المحسن وعماد بن عبيد العتيبي وسليمان بن عبدالعزيز الزبن. وجود أعضاء مستقلين داخل مجلس الإدارة يمثل عنصرًا مهمًا في مرحلة الإدراج، خصوصًا أن المستثمر المؤسسي ينظر إلى الحوكمة بوصفها عاملًا لا يقل أهمية عن النمو المالي. كما ستظل عدة عناصر تحت مراقبة المستثمرين بعد الإدراج، أبرزها:

  • مستوى الشفافية والإفصاح
  • تعاملات الأطراف ذات العلاقة
  • استقلالية القرارات
  • توازن مصالح الملاك مع مساهمي الأقلية

ومع استمرار المساهمين الحاليين في امتلاك 70% من الشركة بعد الطرح، ستصبح الحوكمة عنصرًا حاسمًا في بناء ثقة السوق على المدى الطويل.



نموذج العمل: من المقاولات التقليدية إلى إدارة دورة حياة الأصول

لا تعمل الشركة كمقاول تنفيذ فقط، بل تقدم خدمات تشمل:

  • التصميم والتوريد والبناء (EPC)
  • التشغيل والصيانة
  • إدارة المشاريع
  • أعمال المياه والنقل والتطوير الحضري

وهذا التنوع يمنحها نموذجًا تشغيليًا أكثر توازنًا مقارنة بالشركات التي تعتمد فقط على تنفيذ المشاريع. فعقود التصميم والتوريد والبناء تمنح الشركة إيرادات كبيرة، لكنها أكثر حساسية للتكاليف والمواد وأوامر التغيير. أما التشغيل والصيانة، فيمنحان الشركة فرصة لبناء تدفقات أكثر استقرارًا وعلاقات أطول مع العملاء بعد انتهاء مرحلة البناء. بهذا المعنى، لا تبيع الشركة مشروعًا فقط، بل تشارك في إدارة دورة حياة الأصل: من التصميم والتنفيذ إلى التشغيل والصيانة.



القاعدة التشغيلية: أصل يصعب بناؤه سريعًا

تمتلك الشركة أكثر من 4,700 موظف، وأكثر من 450 مهندسًا ضمن فريقها الداخلي. كما أنجزت أكثر من 80 مشروعًا خلال آخر خمس سنوات وفق الجداول الزمنية وضمن التكاليف المعتمدة. هذه الأرقام لا تعكس الحجم فقط، بل تعكس:

  • خبرة تشغيلية تراكمية
  • قدرة على تنفيذ مشاريع متوازية
  • إدارة ميدانية متقدمة
  • سرعة تعبئة وتشغيل المشاريع

وفي قطاع البنية التحتية، لا تكفي القدرة على الفوز بالعقود؛ الأهم هو امتلاك الفرق والأنظمة والخبرة التي تحول العقد إلى مشروع مكتمل في الوقت والتكلفة المحددين.

كما حصلت الشركة على تصنيف الدرجة الأولى للمقاولين من وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان. ومن المؤشرات المهمة أيضًا متوسط معدل الإصابات القابلة للتسجيل البالغ 0.08 خلال الفترة من 2023 إلى 2025، وهو مؤشر مهم في قطاع يعتمد على العمل الميداني والمعدات الثقيلة.




العلاقات الحكومية: الثقة كأصل غير ظاهر في الميزانية

تشير بيانات الشركة إلى وجود علاقات ممتدة لأكثر من 30 عامًا مع جهات حكومية رئيسية، مع استمرار ترسية المشاريع عليها. في قطاع البنية التحتية، تُعد هذه العلاقات أصلًا استراتيجيًا غير ظاهر في الميزانية. فالجهات المالكة للمشاريع لا تبحث فقط عن المقاول الأقل سعرًا، بل عن شركة قادرة على:

  • التسليم في الوقت المحدد
  • إدارة التعقيد التشغيلي
  • الحفاظ على الجودة
  • تحمل مخاطر المشاريع طويلة الأجل

ومن هنا، تبدو الثقة المتراكمة أحد أعمدة الميزة التنافسية للشركة. فهي لا تقوم فقط على الخبرة الفنية، بل على سجل من التعامل المتكرر مع مشاريع تتطلب انضباطًا عاليًا.



الأداء المالي: ربحية قوية في قطاع معروف بضغط الهوامش

حققت الشركة في عام 2025:

  • إيرادات عقود بلغت 3.6 مليار ريال
  • أرباحًا قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بلغت 912 مليون ريال
  • صافي أرباح بلغ 819 مليون ريال
  • هامش EBITDA عند 26%

وفي الربع الأول من عام 2026، سجلت الشركة:

  • إيرادات عقود بلغت 967 مليون ريال
  • EBITDA بلغت 222 مليون ريال
  • صافي أرباح بلغ 202 مليون ريال
  • هامش EBITDA عند 23%

هذه الأرقام تعكس كفاءة تشغيلية مرتفعة مقارنة بطبيعة قطاع المقاولات، المعروف بحساسيته تجاه:

  • تكاليف المواد
  • تكاليف التنفيذ
  • أوامر التغيير
  • التحصيل
  • ضغط رأس المال العامل

لكن قوة الأرقام لا تلغي طبيعة المخاطر. فكل مشروع جديد يحمل معه احتمالات تغير في التكاليف أو التأخير أو المطالبات الإضافية. لذلك، فإن الحفاظ على الهوامش سيكون أحد أهم اختبارات الشركة بعد الإدراج.



محفظة المشاريع: 10.6 مليار ريال من الأعمال المقرر تنفيذها

بلغت الأعمال المقرر تنفيذها لدى الشركة 10.6 مليار ريال كما في مارس 2026، مع نسبة أعمال مقرر تنفيذها إلى الإيرادات تبلغ 2.7 مرة، كما تتوقع الشركة تحويل 93.8% من هذه الأعمال إلى إيرادات خلال ثلاث سنوات. هذا الرقم يمنح الشركة:

  • وضوحًا تشغيليًا مهمًا
  • استمرارية أفضل للإيرادات
  • قدرة أعلى على تشغيل مواردها الهندسية والميدانية

وفي الوقت نفسه، تضع هذه المحفظة عبئًا أكبر على الإدارة. فكلما اتسع حجم المشاريع، زادت أهمية:

  • ضبط التكاليف
  • إدارة المخاطر
  • الالتزام بالجداول الزمنية
  • تحويل العقود إلى ربحية مستدامة



الاستراتيجية المستقبلية: توسع انتقائي لا نمو عشوائي

تتمحور استراتيجية الشركة حول:

  • الحفاظ على نشاط البنية التحتية للنقل وتوسيعه
  • ترسيخ الريادة في البنية التحتية للمياه
  • الدخول المستهدف في البنية التحتية للطاقة
  • التوسع الانتقائي في التطوير الحضري
  • تطوير قدرات التشغيل والصيانة

ويبدو واضحًا أن الشركة لا تتجه إلى توسع أفقي سريع، بل إلى تعميق وجودها في القطاعات القريبة من خبرتها الأساسية. فالمياه، والنقل، والطاقة، والتطوير الحضري ليست مجالات منفصلة تمامًا، بل قطاعات تتقاطع في طبيعتها التشغيلية مع قدرات الشركة في البنية التحتية وإدارة المشاريع.




التحديات المستقبلية: أين يكمن اختبار المرحلة المقبلة؟

رغم قوة السجل التشغيلي، تواجه الشركة تحديات مرتبطة بطبيعة قطاع المقاولات والبنية التحتية، أبرزها:

  • حساسية المشاريع لتكاليف المواد
  • الاعتماد على المشاريع الحكومية
  • ضغط رأس المال العامل
  • الحفاظ على الهوامش
  • متطلبات الحوكمة بعد الإدراج

إلى جانب ذلك، يفرض الإدراج تحديًا جديدًا: الانتقال من شركة خاصة ذات ملكية مركزة إلى شركة مطالبة بإقناع السوق بشكل مستمر عبر الإفصاح، والحوكمة، والنتائج، والانضباط التشغيلي. وهنا يصبح نجاح الشركة مرتبطًا بقدرتها على تحقيق توازن صعب:

  • النمو دون الضغط على الهوامش
  • التوسع دون فقدان جودة التنفيذ
  • الحفاظ على الإرث العائلي مع تبني معايير الشركة المدرجة



دروس من رحلة الشركة

تكشف رحلة شركة مطلق الغويري للمقاولات عن درس مهم في بناء الشركات التشغيلية داخل السوق السعودي: النمو الحقيقي لا يتحقق فقط عبر زيادة حجم العقود، بل عبر بناء سمعة تنفيذية طويلة الأجل، وتطوير قاعدة تشغيلية قوية، ثم التحول التدريجي إلى نموذج مؤسسي قادر على الاستمرار. بدأت الشركة كمؤسسة صغيرة عام 1977، ثم أصبحت شركة برأس مال 800 مليون ريال، ومحفظة أعمال مقرر تنفيذها بقيمة 10.6 مليار ريال، وقاعدة بشرية تتجاوز 4,700 موظف، وسجل تنفيذي يتجاوز 80 مشروعًا خلال خمس سنوات. هذه ليست قصة توسع فقط، بل قصة انضباط تشغيلي طويل. فالشركة بنت موقعها عبر:

  • التنفيذ المتكرر
  • العلاقات المؤسسية
  • الخبرة التشغيلية
  • التحول التدريجي من المقاول العائلي إلى الكيان القابل للإدراج

وبينما تدخل الشركة مرحلة السوق المالية، يبدأ فصل جديد لا يقل أهمية عن فصل التأسيس: فصل تختبر فيه الشركة قدرتها ليس فقط على تنفيذ المشاريع، بل على بناء ثقة المستثمرين كمؤسسة مدرجة في واحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالتحول الاقتصادي السعودي.


متجر مكنة، رفيقك في رحلة اعمالك (أنقر هنا)