نوفارتس (Novartis): ربع قرن من التحولات الجريئة نحو ريادة الأدوية المبتكرة عالميًا

8 أغسطس 2025
مدونة مكنة
نوفارتس (Novartis): ربع قرن من التحولات الجريئة نحو ريادة الأدوية المبتكرة عالميًا

تحرير: مدونة مكنة



اندماج تأسيسي برؤية طموحة (1996)

في 29 فبراير 1996، ولدت شركة Novartis AG من اندماج تاريخي بين شركتين سويسريتين عريقتين: Ciba-Geigy و Sandoz. لم يكن هذا الاندماج مجرد إجراء مالي، بل تأسيس لفكرة جديدة تمامًا في عالم الأدوية. وقد استلهمت الشركة اسمها من اللاتينية "Nova Ars" والتي تعني "الفن الجديد"، في إشارة إلى التزامها بتجديد فن الطب وابتكار طرق علاجية غير تقليدية.

ورثت Novartis من الشركتين المؤسستين محفظة ضخمة ومتشعبة تشمل:

  • أدوية مبتكرة
  • أدوية جنيسة (عبر وحدة Sandoz)
  • لقاحات
  • كيماويات زراعية
  • رعاية بيطرية
  • تغذية ومكملات غذائية

بهذا التنوع، أصبحت من أكبر شركات الأدوية عالميًا من حيث الانتشار، لكنها كانت تفتقر إلى محور استراتيجي واضح يمكن أن يبني عليها تفوقًا مستدامًا.



التخلص من الإرث غير المتماسك (2000–2010)

في العقد الأول من القرن الجديد، بدأت Novartis تتخلص بهدوء من الأنشطة التي لم تعد تمثل قيمة مضافة حقيقية. شهدت هذه المرحلة عمليات إعادة هيكلة تدريجية:

  • بيع الأنشطة الزراعية والتغذية الحيوانية.
  • إعادة تنظيم وحدات العمل حول الأدوية البشرية.
  • تطوير برامج تحديث داخلية مثل مبادرة "Forward" لتحسين الكفاءة التشغيلية.

لكنها لا تزال تحتفظ بوحدات اللقاحات والرعاية العينية والبيطرية والأدوية الجنيسة، ما جعل التركيز الاستراتيجي محدودًا نسبيًا.



نحو عمق علاجي وتموضع جديد (2010–2020)

مع بداية العقد الثاني، بدأت Novartis بتسريع وتيرة التحول:

  • 2015: تم بيع وحدة اللقاحات لشركة GSK.
  • 2018: بيعت حصة Novartis في Roche مقابل 20.7 مليار دولار.
  • 2019: تم فصل وحدة Alcon للعناية بالعيون لتصبح شركة مستقلة مدرجة.
  • 2018: استحوذت Novartis على شركة AveXis مقابل 8.7 مليار دولار لتطوير علاج Zolgensma، أحد أول العلاجات الجينية المعتمدة في العالم.
  • دخول سوق CAR-T Therapy عبر عقار Kymriah.

هذه المرحلة لم تقتصر على إعادة توزيع المحفظة، بل تم فيها إعادة تعريف "هوية الشركة" لتكون شركة تركّز على البحث العلمي والعلاجات المتخصصة والمبتكرة للأمراض المزمنة والنادرة.



قرار جريء بفصل Sandoz (2023)

رغم أن وحدة Sandoz حققت أرباحًا ثابتة من تصنيع الأدوية الجنيسة، قررت Novartis في عام 2022 تنفيذ تحول جذري بفصل الوحدة بالكامل.

وفي أكتوبر 2023، تم إدراج Sandoz Group AG كشركة مستقلة في بورصة سويسرا، لتنهي بذلك علاقة استمرت لعقود. هذا القرار جعل Novartis تتحول رسميًا إلى:

"Pure-Play Innovative Medicines Company"

أي شركة متخصصة حصريًا في الأدوية المبتكرة ذات القيمة المضافة العالية.

التحول لم يكن فقط تنظيميًا، بل شكّل أساسًا لانطلاقة مالية واستراتيجية جديدة في عام 2024.



الابتكار هو المحور الجديد (2024)

مع بداية 2024، بدأت ثمار التركيز على الابتكار تؤتي أُكُلها. وضعت Novartis خارطة طريق مستقبلية تعتمد على:

❖ الاستثمار في منصات علاجية مستقبلية:

  • RLT: العلاج الإشعاعي الموجه (Pluvicto، Lutathera)
  • xRNA: تقنية لتعديل نشاط الجينات بدقة جزيئية
  • Gene & Cell Therapy: علاجات متقدمة مثل Zolgensma وKymriah

❖ الاستحواذات الاستراتيجية:

  • MorphoSys AG (ألمانيا): مقابل 2.9 مليار يورو لدعم أبحاث الأورام.
  • Mariana Oncology (الولايات المتحدة): صفقة لدعم تقنية RLT.
  • Kate Therapeutics (الولايات المتحدة): توسيع قدرات العلاجات الجينية العضلية.

❖ دمج الذكاء الاصطناعي:

  • تسريع التجارب السريرية
  • تقليل مدة تطوير الأدوية
  • توقع احتمالات النجاح الإكلينيكي



الأرقام تؤكد التحول

أثبت العام 2024 أن استراتيجية التركيز لم تكن مغامرة بل رؤية ناجحة:

  • الإيرادات: بلغت 50.3 مليار دولار (نمو بنسبة 12% مقارنة بـ 2023).
  • الربح التشغيلي الأساسي: ارتفع إلى 19.5 مليار دولار (بنمو 19%).
  • صافي الربح: 11.9 مليار دولار (قفزة بنسبة 45%).
  • هامش التشغيل الأساسي: وصل إلى 38.7%.
  • عدد المرضى الذين تم علاجهم: أكثر من 300 مليون شخص.
  • توزيعات الأرباح: زادت بنسبة 6% لتصل إلى 3.50 فرنك سويسري للسهم.



قوة جغرافية وعلاجية

تمتلك Novartis حضورًا في أكثر من 120 دولة، وتحقق عائداتها من:

  • الولايات المتحدة (42%)
  • أوروبا (31%)
  • آسيا/أفريقيا/أسترالاسيا (20%)
  • أمريكا اللاتينية وكندا (7%)

وتضم محفظتها علامات دوائية عالمية مثل:

Entresto، Cosentyx، Pluvicto، Kisqali، Kesimpta، Zolgensma، Leqvio، Scemblix.



أكثر من دواء

أثبتت Novartis أنها ليست فقط شركة أدوية، بل كيان عالمي مسؤول:

  • احتلت المركز الأول في مؤشر "الوصول إلى الأدوية" العالمي لعام 2024.
  • التزمت بتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2040.
  • أدخلت الاستدامة البيئية والاجتماعية في صميم استراتيجياتها.
  • استثمرت في توسيع الوصول إلى الأدوية بأسعار منخفضة في الدول النامية.



مشهد معقد لكن مدروس

رغم النجاحات، تواجه Novartis عدة مخاطر، أبرزها:

  • ضغوط تسعير تنظيمية (قانون IRA في أمريكا وتأثيره على Entresto)
  • منافسة من الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية
  • احتمال فشل بعض المنتجات الجديدة أو الاستحواذات
  • مخاطر أمن المعلومات والاختراقات السيبرانية
  • تحديات في سلاسل الإمداد العالمية

مع ذلك، استطاعت الشركة بناء منظومة حوكمة وإدارة مخاطر قادرة على امتصاص التقلبات وتحقيق استدامة في الأداء.



شركة دواء أم منصة علمية علاجية؟

تتجه Novartis نحو ما هو أبعد من كونها شركة أدوية تقليدية. رؤيتها للمستقبل تضعها في موقع أقرب إلى:

  • منصة ابتكار علمي تعمل بالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة
  • شركة علاجية تقدم حلولًا مخصصة لكل مريض حسب الجينات والتاريخ الطبي
  • كيان مستدام بيئيًا واجتماعيًا وقادر على التوسع في الأسواق الناشئة والرقمية

وقد أعلنت هدفًا طموحًا بأن تحقق هامش تشغيل أساسي بنسبة 40% بحلول عام 2027، وهو ما يعكس ثقة عالية في نموذجها المتطور.



درس استراتيجي من ربع قرن

إن قصة Novartis على مدار 25 عامًا تمثل درسًا استراتيجيًا نادرًا في التحول الجذري المتدرج. لقد بدأت كشركة متعددة الأنشطة، ثم اختارت أن تتخلى عن التشتت وتراهن على المستقبل عبر الابتكار والتخصص. قراراتها لم تكن سهلة، لكنها كانت دقيقة وواقعية.

وفي عام 2024، أثبتت الشركة أن الجرأة في التخلي عن الماضي ليست مخاطرة، بل ضرورة للنمو. وأن التخصص ليس تقليصًا، بل تمكين عميق.

واليوم، تقف Novartis باعتبارها إحدى أكثر شركات الأدوية ابتكارًا وربحية في العالم، وأحد النماذج الملهمة في إدارة التحول الاستراتيجي في بيئة صناعية شديدة التعقيد.