بيرسون (Pearson): من بناء الأنفاق إلى بناء المهارات

4 يونيو 2026
مدونة مكنة
بيرسون (Pearson): من بناء الأنفاق إلى بناء المهارات

تحرير: مدونة مكنة



قصة تحول نموذج عمل شركة عمرها أكثر من 180 عامًا

ليست شركة بيرسون (Pearson) مجرد شركة تعليمية بريطانية عريقة. إنها واحدة من الشركات القليلة التي لا يمكن فهمها من خلال قطاعها الحالي فقط، بل من خلال قدرتها المتكررة على إعادة اختراع نفسها كلما تغيّر مركز القيمة في الاقتصاد.

بدأت بيرسون (Pearson) في القرن التاسع عشر شركة مقاولات وبنية تحتية. ثم تحولت إلى الإعلام والنشر. وبعد ذلك أصبحت واحدة من أكبر شركات التعليم في العالم. ثم واجهت أزمة الكتب التعليمية المطبوعة، فانتقلت إلى التعليم الرقمي. واليوم تحاول أن تتموضع في قلب اقتصاد جديد يقوم على المهارات، التقييمات، الشهادات، والذكاء الاصطناعي.

لهذا فإن قصة بيرسون (Pearson) ليست قصة شركة نمت باستمرار، بل قصة شركة نجت لأنها غيّرت ما تبيعه للعالم أكثر من مرة. في البداية كانت تبيع القدرة على بناء البنية التحتية المادية. ثم أصبحت تبيع المعرفة عبر الإعلام. ثم باعت التعليم عبر الكتب والمناهج. واليوم تحاول بيع شيء أعلى قيمة في عصر الذكاء الاصطناعي: الثقة في المهارات.



القطاع الحالي للشركة

تعمل بيرسون (Pearson) اليوم في قطاع التعليم العالمي، لكنها لم تعد شركة نشر تعليمي بالمعنى التقليدي. القطاع الأدق الذي تعمل فيه الشركة يقع عند تقاطع أربعة مجالات رئيسية:

التعليم العالمي، وتكنولوجيا التعليم (EdTech)، والاختبارات والتقييمات المهنية، وتطوير مهارات القوى العاملة.

وتصف الشركة نفسها اليوم بأنها شركة التعلم مدى الحياة في العالم (The World’s Lifelong Learning Company). وهذا الوصف مهم؛ لأنه ينقلها من كونها ناشرًا للكتب التعليمية إلى شركة تقدم محتوى تعليميًا، منصات رقمية، اختبارات، شهادات، تحققًا من المهارات، وحلولًا لتأهيل الأفراد والموظفين والمؤسسات.



تخدم بيرسون (Pearson) شرائح متعددة، من الطلاب والمعلمين والجامعات والمدارس، إلى الشركات والحكومات والمهنيين والباحثين عن الشهادات والاعتمادات.



البدايات: شركة من اقتصاد الحديد والخرسانة

تبدأ القصة في عام 1844، عندما أسس صامويل بيرسون (Samuel Pearson) شركة مقاولات صغيرة في يوركشاير البريطانية. كان العالم آنذاك يعيش ذروة الثورة الصناعية، وكانت القيمة الاقتصادية الكبرى تُصنع في السكك الحديدية، الجسور، الأنفاق، الموانئ، والمشاريع الهندسية الضخمة.

كان نموذج العمل في تلك المرحلة واضحًا: الفوز بعقود بنية تحتية، إدارة مشاريع طويلة الأجل، تشغيل رأس مال ومعدات وعمالة، وتسليم أصول مادية ضخمة.

كانت بيرسون (Pearson) في بدايتها شركة من اقتصاد الصناعة الثقيلة. ميزتها لم تكن في المحتوى أو البيانات أو المنصات، بل في القدرة على تنفيذ مشاريع معقدة لا يستطيع الصغار تنفيذها.

وفي عام 1879 انتقلت الشركة إلى لندن تحت اسم إس. بيرسون آند صن (S. Pearson & Son)، ثم توسعت في مشاريع بنية تحتية كبرى، من بينها مشاريع ارتبطت بتاريخها مثل نفق هدسون في نيويورك وميناء هالفاكس في كندا. كان هذا هو الفصل الأول في نموذج عمل بيرسون (Pearson): شركة تبيع القدرة على بناء العالم المادي.

لكن مع بداية القرن العشرين، بدأ الاقتصاد يتحول تدريجيًا. لم تعد القيمة الكبرى في البنية التحتية المادية فقط، بل بدأت تظهر في المعلومات والمعرفة والإعلام.



التحول الأول: من المقاولات إلى الإعلام

في عام 1921، دخلت بيرسون (Pearson) منعطفًا مهمًا عندما استحوذت على صحيفة فايننشال تايمز (Financial Times). ظاهريًا، تبدو هذه الخطوة بعيدة عن المقاولات. لكن استراتيجيًا، كانت تعني أن الشركة بدأت تدرك أن النفوذ الاقتصادي في القرن العشرين لن يكون في بناء الأنفاق فقط، بل في امتلاك المعرفة التي توجه رجال المال والأعمال.

صحيفة فايننشال تايمز (Financial Times) لم تكن مجرد صحيفة. كانت منصة معلومات للنخب الاقتصادية والمالية. ومن خلالها دخلت بيرسون (Pearson) إلى اقتصاد المعرفة.



وخلال العقود التالية، تحولت الشركة تدريجيًا إلى مجموعة إعلامية وثقافية. وفي عام 1969 أصبحت رسميًا مجموعة إعلامية عالمية. وهنا تغيّر نموذج العمل من عقود هندسية ذات أصول ثقيلة إلى نموذج يعتمد على المحتوى، الملكية الفكرية، الصحافة، الكتب، العلامات الإعلامية، والإعلانات.

لكن الإعلام نفسه بدأ لاحقًا يواجه موجات اضطراب. تراجعت نماذج الإعلان التقليدي، وظهرت ضغوط التحول الرقمي، وبدأت الصحافة الورقية تفقد جزءًا من قوتها. وهنا وجدت بيرسون (Pearson) نفسها أمام سؤال جديد: إذا كان الإعلام التقليدي يدخل مرحلة ضعف، فأين توجد القيمة الأكثر استقرارًا؟

كانت الإجابة: التعليم.



التحول الثاني: من الإعلام إلى التعليم

في التسعينيات، اتخذت بيرسون (Pearson) واحدًا من أكبر قراراتها الاستراتيجية: التحول القوي نحو التعليم. كان التعليم يبدو قطاعًا أكثر استقرارًا من الإعلام. فالمدارس والجامعات والحكومات تحتاج إلى المناهج والاختبارات والمواد التعليمية باستمرار. كما أن التعليم يتمتع بعلاقات مؤسسية طويلة، واعتمادات أكاديمية، وحواجز دخول أعلى من قطاع الإعلام. بدأت الشركة سلسلة استحواذات غيّرت هويتها. في عام 1994، استحوذت بيرسون (Pearson) على أديسون ويسلي (Addison-Wesley) مقابل أكثر من 250 مليون دولار. كان هذا الاستحواذ مهمًا لأنه منحها موقعًا قويًا في التعليم الأكاديمي الأمريكي.



وفي عام 1996، استحوذت على هاربر كولينز التعليمية (HarperCollins Educational)، لتوسيع حضورها في المناهج والمواد التعليمية.


ثم جاءت الصفقة الكبرى في عام 1997، عندما استحوذت بيرسون (Pearson) على سايمون آند شوستر التعليمية (Simon & Schuster Educational) مقابل 4.6 مليار دولار. هذه الصفقة جعلت الشركة أكبر ناشر تعليمي في العالم.

في تلك المرحلة، أصبحت بيرسون (Pearson) إمبراطورية تعليمية. لم تعد شركة مقاولات، ولم تعد مجرد شركة إعلام. لقد أصبحت شركة تعليم عالمية تقوم على الكتب، المناهج، المحتوى الأكاديمي، العلاقات مع الجامعات والمدارس، ودورات اعتماد طويلة الأجل. لكن داخل هذا النجاح كان يختبئ الخطر.

فكل شركة عظيمة قد تتحول ميزتها القديمة إلى عبء إذا تغيّر العالم من حولها.



ذروة الناشر التعليمي: الحجم الكبير قبل الأزمة

بحلول عام 2010 تقريبًا، بلغت بيرسون (Pearson) ذروة قوتها كعملاق تعليمي عالمي. وصلت إيراداتها إلى نحو 9 مليارات دولار تقريبًا، وكانت تمتلك حضورًا ضخمًا في سوق الكتب التعليمية والمناهج، خصوصًا في أمريكا الشمالية.

لكن هذا الحجم الكبير كان يخفي هشاشة متزايدة. فقد كان جزء كبير من نموذج العمل يعتمد على الكتب التعليمية، وخصوصًا الكتب الجامعية المطبوعة.

بدأ الطلاب يشترون الكتب المستعملة بدل الجديدة. وبدأت الجامعات تضغط على الأسعار. وبدأت المنصات الرقمية تقدم بدائل أقل تكلفة. كما تغيّر سلوك الطالب نفسه، فلم يعد يرى الكتاب الورقي أصلًا لا غنى عنه كما كان سابقًا.

هنا بدأت أزمة نموذج العمل. لم تكن المشكلة أن بيرسون (Pearson) لا تملك محتوى جيدًا، بل أن السوق بدأ يعيد تعريف قيمة المحتوى نفسه. عندما يصبح المحتوى قابلًا للنسخ، وأرخص توزيعًا، وأسهل إنتاجًا، تنتقل القيمة من مجرد امتلاك المحتوى إلى تنظيم تجربة التعلم وقياس أثرها. وهذا ما دفع بيرسون (Pearson) إلى تحول جديد: من شركة كتب إلى شركة تعلم رقمي وتقييم مهارات.



التقلص الذكي: عندما يصبح البيع جزءًا من التحول

في قصة بيرسون (Pearson)، لم يكن التحول قائمًا على الاستحواذات فقط، بل على التخارج أيضًا.

في عام 2015، باعت الشركة حصتها في بنغوين راندوم هاوس (Penguin Random House) مقابل 1.3 مليار دولار. كانت هذه الصفقة شديدة الرمزية، لأنها أظهرت أن بيرسون (Pearson) لم تعد ترى النشر التقليدي مركز مستقبلها.

وفي عام 2017، أعلنت الشركة توجهًا واسعًا نحو الرقمنة الكاملة، وبدأت إعادة هيكلة شملت خفض نحو 3,000 وظيفة. قد يبدو ذلك تراجعًا، لكنه كان في الحقيقة جزءًا من تحول أعمق: التخلص من الأنشطة الأبطأ، تقليل الاعتماد على الطباعة، تبسيط العمليات، وإعادة توجيه رأس المال نحو المنصات الرقمية والتقييمات والاشتراكات.

هذه المرحلة يمكن تسميتها بالتقلص الذكي. فبيرسون (Pearson) لم تعد تسعى فقط إلى أن تكون أكبر، بل إلى أن تكون أكثر تركيزًا وربحية وارتباطًا بالمستقبل.

لقد أصبحت أصغر من إمبراطوريتها القديمة، لكنها بدأت تتحول إلى شركة أكثر رقمية، وأكثر اعتمادًا على التدفقات النقدية، وأكثر قربًا من اقتصاد المهارات.



الجائحة: تسريع التحول الرقمي

قبل جائحة كوفيد-19 (Covid-19)، كانت بيرسون (Pearson) قد بدأت بالفعل رحلة التحول الرقمي. لكنها مثل كثير من شركات التعليم، وجدت أن الجائحة سرعت التحولات التي كانت تحدث ببطء. أصبح التعليم عن بعد، المنصات الرقمية، الاختبارات الإلكترونية، والفصول الافتراضية جزءًا من الحياة اليومية للطلاب والمؤسسات.

وفي عام 2021، أطلقت الشركة نموذج الاشتراك الرقمي للكتب التعليمية بدل الاعتماد التقليدي على بيع الكتب مرة واحدة. وهذا كان تحولًا مهمًا في نموذج الإيرادات: من بيع منتج تعليمي منفرد إلى توفير وصول مستمر للمحتوى والخدمات.

لكن هذا التحول لم يكن بلا انتقادات. فقد رأى بعض الطلاب والأكاديميين أن الاشتراكات الرقمية قد تزيد تكلفة الوصول إلى التعليم، وتقلل قدرة الطالب على امتلاك الكتاب أو إعادة بيعه.

وهنا ظهرت المعضلة الكبرى في التعليم الرقمي: هل تصبح المعرفة خدمة اشتراك مستمرة مثل المنصات الرقمية؟ أم تبقى أصلًا يمتلكه الطالب؟

بالنسبة إلى بيرسون (Pearson)، كانت الإجابة العملية أن المستقبل لن يكون في الكتاب وحده، بل في منصة تجمع المحتوى، التعلم، التقييم، القياس، والتغذية الراجعة.



بيرسون اليوم: خمس وحدات أعمال

في عام 2025، تعمل بيرسون (Pearson) من خلال خمس وحدات أعمال رئيسية.

الأولى هي التقييمات والمؤهلات (Assessment & Qualifications)، وهي قلب الشركة المالي والاستراتيجي. تشمل الاختبارات المهنية، تقييمات الطلاب، التقييمات السريرية، والمؤهلات البريطانية والدولية. بلغت مبيعات هذه الوحدة في عام 2025 نحو 2.17 مليار دولار تقريبًا.

الثانية هي التعلم الافتراضي (Virtual Learning)، وتقدم حلول التعلم عن بعد، خصوصًا لطلاب مرحلة رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر (K12) في الولايات المتحدة. بلغت مبيعاتها في عام 2025 نحو 690 مليون دولار تقريبًا، وحققت نموًا أساسيًا قدره 8%.

الثالثة هي التعليم العالي (Higher Education)، وتشمل المحتوى والمنصات التعليمية للجامعات. بلغت مبيعاتها في عام 2025 نحو 1.05 مليار دولار تقريبًا، لكنها لا تزال من أكثر الوحدات تعرضًا للضغط بسبب تراجع نموذج الكتب الجامعية التقليدية.

الرابعة هي تعلم اللغة الإنجليزية (English Language Learning)، وتشمل منتجات تعليم اللغة واختباراتها. بلغت مبيعاتها في عام 2025 نحو 547 مليون دولار تقريبًا.

الخامسة هي التعلم المؤسسي والمهارات (Enterprise Learning & Skills)، وهي الرهان المستقبلي الأهم، رغم أنها لا تزال أصغر نسبيًا. بلغت مبيعاتها في عام 2025 نحو 381 مليون دولار تقريبًا.

هذا التوزيع يكشف جوهر التحول: بيرسون (Pearson) لم تعد شركة كتاب، بل شركة تحاول إدارة رحلة كاملة تبدأ من التعلم وتنتهي بإثبات المهارة.



أهم المنتجات والعلامات التي تملكها الشركة

لفهم بيرسون (Pearson) اليوم، يجب النظر إلى العلامات والمنتجات التي تديرها، لأنها تمثل مصادر القيمة الحقيقية في نموذج العمل الجديد.

من أهم هذه العلامات بيرسون فيو (Pearson VUE)، وهي منصة عالمية للاختبارات المهنية والشهادات. تمثل هذه المنصة أحد أهم أصول الشركة، لأنها تعمل في مجال عالي الثقة: اختبار المهارات المهنية واعتمادها.

هناك أيضًا بي تيك (BTEC)، وهي من أبرز المؤهلات المهنية والتطبيقية، خصوصًا في بريطانيا وأسواق دولية متعددة. أهميتها أنها تربط التعليم بسوق العمل، وتمنح بيرسون (Pearson) موقعًا قويًا في التعليم المهني والتقني.

ومن العلامات المهمة أيضًا جي إي دي (GED)، وهي شهادة معادلة للثانوية العامة في الولايات المتحدة، وتعد مسارًا مهمًا للأفراد الذين يريدون العودة إلى التعليم أو دخول سوق العمل.

في مجال اللغة الإنجليزية، تمتلك بيرسون (Pearson) اختبار بيرسون للغة الإنجليزية (Pearson Test of English - PTE)، وهو اختبار يستخدم لأغراض الدراسة والهجرة والعمل. كما تقدم فيرسانت من بيرسون (Versant by Pearson)، وهو منتج لتقييم اللغة خصوصًا في البيئات المؤسسية والشركات.

كما تمتلك مونديلي من بيرسون (Mondly by Pearson)، وهي منصة رقمية لتعلم اللغات، وتستخدمها الشركة لتعزيز حضورها في التعلم الرقمي المباشر للأفراد والمؤسسات.

وفي اقتصاد المهارات والاعتمادات الرقمية، تمتلك بيرسون (Pearson) منصة كريدلي (Credly)، وهي منصة للشارات والاعتمادات الرقمية تساعد الأفراد والمؤسسات على توثيق المهارات والشهادات رقميًا.

كما تمتلك تالنت لنس (TalentLens)، التي تخدم مجال تقييم القدرات والاستعدادات والمهارات، خصوصًا في التوظيف وتطوير المواهب.

ومن العلامات المهمة أيضًا فايثم (Faethm)، وهي منصة تساعد المؤسسات على تحليل مستقبل العمل وفهم أثر الأتمتة والذكاء الاصطناعي على الوظائف والمهارات المطلوبة.

كما يظهر آي تي برو (IT Pro) ضمن محفظة المهارات الرقمية والتقنية، ويخدم التدريب المرتبط بتقنية المعلومات.

وفي عام 2025، عززت بيرسون (Pearson) رهانها على التعليم المهني والتقني عبر الاستحواذ على إي داينامك ليرننغ (eDynamic Learning) بقيمة تقارب 227 مليون دولار تقريبًا، بناءً على تحويل تقريبي من 168 مليون جنيه إسترليني. هذا الاستحواذ يخدم محور المسارات المهنية المبكرة (Early Careers)، ويربط التعليم المدرسي بالمهارة والوظيفة.

كما تطور الشركة منتجات ذكاء اصطناعي مثل أدوات الدراسة الذكية (AI Study Tools)، وميزة التعمق أكثر (Go Deeper)، ومدرب التواصل (Communication Coach) الذي طورته بالتعاون مع مايكروسوفت (Microsoft)، ويهدف إلى تحسين مهارات التواصل في بيئة العمل.



أرقام 2025: شركة أصغر وأكثر تركيزًا

في عام 2025، حققت بيرسون (Pearson) مبيعات بلغت 3.577 مليار جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 4.83 مليار دولار تقريبًا.

بلغ النمو الأساسي في المبيعات 4%. وبلغ الربح التشغيلي المعدل 614 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 829 مليون دولار تقريبًا. كما بلغ التدفق النقدي الحر 527 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 711 مليون دولار تقريبًا.

وصل هامش الربح التشغيلي المعدل إلى 17.2%، وبلغ تحويل التدفق النقدي الحر 125%. كما أتمت الشركة برنامج إعادة شراء أسهم بقيمة 350 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 473 مليون دولار تقريبًا.

هذه الأرقام تكشف أن بيرسون (Pearson) اليوم ليست الشركة الضخمة التي كانت تقيس نجاحها بالحجم وحده. فقد كانت إيراداتها في 2010 نحو 9 مليارات دولار، بينما أصبحت في 2025 نحو 4.83 مليار دولار تقريبًا. لكنها أصبحت أكثر تركيزًا على الربحية، التدفقات النقدية، الاختبارات، المهارات، والخدمات الرقمية.

بمعنى آخر: بيرسون (Pearson) أصبحت أصغر من حيث الإيرادات، لكنها تحاول أن تصبح أفضل من حيث جودة الإيرادات.



لماذا أصبحت التقييمات قلب نموذج العمل؟

في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج المحتوى أسهل من أي وقت مضى. يمكن للطالب أن يطلب شرحًا من نموذج ذكاء اصطناعي. ويمكن للمعلم أن يولد أسئلة. ويمكن للشركة أن تصمم دورة تدريبية بسرعة.

لكن كلما زاد المحتوى، زادت مشكلة الثقة.

من يضمن أن المتعلم اكتسب المهارة فعلًا؟ من يقيسها؟ من يمنح الشهادة؟ ومن تثق به الجامعات والشركات والحكومات؟

هنا تظهر قوة بيرسون (Pearson). فالشركة لا تراهن فقط على تعليم الناس، بل على التحقق مما تعلموه. وهذا فارق كبير.

المحتوى يمكن تقليده، لكن الثقة لا تُبنى بسرعة. الاختبارات الموثوقة تحتاج إلى تاريخ، معايير، أمن، بيانات، نزاهة، علاقات تنظيمية، وسمعة مؤسسية. لذلك، فإن التقييمات والمؤهلات أصبحت قلب نموذج العمل الجديد.

إن التحول الأعمق في بيرسون (Pearson) هو الانتقال من بيع المحتوى إلى بيع الثقة في المهارات.



الذكاء الاصطناعي: تهديد وفرصة

تتعامل بيرسون (Pearson) مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تهديدًا وفرصة في الوقت نفسه.

التهديد واضح: أدوات الذكاء الاصطناعي العامة قد تقلل قيمة المحتوى التعليمي التقليدي. فإذا كان بإمكان الطالب الحصول على شرح فوري، أو تلخيص كتاب، أو حل تمرين، فإن قيمة المحتوى وحده تتعرض للضغط.

لكن الفرصة أكبر: الذكاء الاصطناعي يزيد الحاجة إلى التعلم المستمر، ويعيد تشكيل الوظائف، ويخلق طلبًا على إعادة التأهيل، ويجعل التحقق من المهارات أكثر أهمية.

لذلك تستخدم بيرسون (Pearson) الذكاء الاصطناعي داخل المنتجات، مثل أدوات الدراسة، التحضير للاختبارات، تعلم اللغة، ومدرب التواصل. كما تستخدمه داخل العمليات، مثل تطوير البرمجيات، خدمة العملاء، الترجمة، وتحسين الإنتاجية.

لكن الاختبار الحقيقي ليس استخدام الذكاء الاصطناعي فقط، بل تحويله إلى إيرادات مستدامة. هل يصبح الذكاء الاصطناعي سببًا يدفع العميل أكثر؟ أم يتحول إلى ميزة مجانية يتوقعها السوق من الجميع؟

هذا هو السؤال الحاسم في المرحلة القادمة.



الشراكات مع عمالقة التقنية

بيرسون (Pearson) لا تحاول أن تصبح مايكروسوفت (Microsoft) أو غوغل (Google). فهي لا تبني نماذج ذكاء اصطناعي عملاقة من الصفر. قوتها تأتي من مكان مختلف: المحتوى، الاختبارات، الشهادات، العلاقات التعليمية، والموثوقية المؤسسية.

لهذا دخلت في شراكات مع مايكروسوفت (Microsoft)، وأمازون ويب سيرفيسز (AWS)، وغوغل كلاود (Google Cloud). هذه الشراكات تمنحها البنية السحابية والقدرات التقنية وقنوات الوصول إلى المؤسسات.

كما تعمل مع شركات خدمات مهنية وتقنية مثل آي بي إم (IBM)، وديلويت (Deloitte)، وإتش سي إل تك (HCLTech)، وكوغنيزانت (Cognizant)، وتي سي إس (TCS).

هذه الشراكات تكشف أن بيرسون (Pearson) تريد بناء منظومة أعمال، لا مجرد منصة تعليمية مغلقة. فهي تقدم الثقة التعليمية والتقييمية، بينما يقدم الشركاء التقنية، السحابة، التكامل، وقنوات البيع المؤسسي.



أهم الأرقام في مسيرة بيرسون

يمكن قراءة رحلة بيرسون (Pearson) من خلال عدد من الأرقام المفصلية:

عام 1844: تأسيس الشركة على يد صامويل بيرسون (Samuel Pearson) في يوركشاير.

عام 1879: انتقال الشركة إلى لندن تحت اسم إس. بيرسون آند صن (S. Pearson & Son).

عام 1921: الاستحواذ على فايننشال تايمز (Financial Times)، وبداية التحول نحو الإعلام والمعرفة.

عام 1969: التحول إلى مجموعة إعلامية عالمية.

عام 1994: الاستحواذ على أديسون ويسلي (Addison-Wesley) مقابل أكثر من 250 مليون دولار.

عام 1996: الاستحواذ على هاربر كولينز التعليمية (HarperCollins Educational).

عام 1997: الاستحواذ على سايمون آند شوستر التعليمية (Simon & Schuster Educational) مقابل 4.6 مليار دولار، والتحول إلى أكبر ناشر تعليمي في العالم.

عام 2010: وصول الإيرادات إلى نحو 9 مليارات دولار تقريبًا، وهي ذروة نموذج الناشر التعليمي الكبير.

عام 2015: بيع الحصة في بنغوين راندوم هاوس (Penguin Random House) مقابل 1.3 مليار دولار.

عام 2017: إطلاق توجه الرقمنة الكاملة وخفض نحو 3,000 وظيفة ضمن إعادة الهيكلة.

عام 2021: إطلاق نموذج الاشتراك الرقمي للكتب التعليمية.

عام 2025: تحقيق مبيعات تقارب 4.83 مليار دولار، وربح تشغيلي معدل يقارب 829 مليون دولار، وتدفق نقدي حر يقارب 711 مليون دولار.

عام 2025: إتمام إعادة شراء أسهم بنحو 473 مليون دولار تقريبًا.

عام 2025: الاستحواذ على إي داينامك ليرننغ (eDynamic Learning) بقيمة تقارب 227 مليون دولار تقريبًا.

عام 2025: وصول عدد مدارس التعلم الافتراضي التابعة للشركة إلى 41 مدرسة عبر 31 ولاية أمريكية.

هذه الأرقام تروي مسارًا واضحًا: بيرسون (Pearson) انتقلت من شركة مقاولات إلى إمبراطورية إعلامية، ثم إلى أكبر ناشر تعليمي، ثم إلى شركة رقمية أصغر حجمًا وأكثر تركيزًا على التقييمات والمهارات.



المخاطر التي تواجه الشركة

رغم قوة السردية، لا تخلو بيرسون (Pearson) من المخاطر.

أولًا، لا يزال التعليم العالي (Higher Education) تحت ضغط، بسبب تراجع نموذج الكتب الجامعية وتغير سلوك الطلاب والجامعات.

ثانيًا، سوق المهارات المؤسسية مزدحم جدًا. فالشركة لا تنافس ناشري التعليم فقط، بل تنافس منصات مثل كورسيرا (Coursera)، ويوديمي (Udemy)، ولينكدإن ليرننغ (LinkedIn Learning)، ودولينغو (Duolingo)، وبرامج غوغل ومايكروسوفت التعليمية.

ثالثًا، الاعتماد على الشراكات التقنية يمنح الشركة سرعة، لكنه يجعلها أيضًا مرتبطة بمنظومات لا تملكها بالكامل.

رابعًا، الثقة هي أهم أصل لدى الشركة. وأي خلل في نزاهة الاختبارات، أمن البيانات، أو جودة التقييم قد يضر مركزها التنافسي.

خامسًا، نجاح الاستحواذات مثل إي داينامك ليرننغ (eDynamic Learning) لا يعتمد على الشراء فقط، بل على الدمج التجاري والتقني داخل منظومة بيرسون (Pearson).



الخاتمة: من بيع التعليم إلى بيع الثقة

يمكن تلخيص قصة بيرسون (Pearson) في جملة واحدة:

بدأت شركة تبني العالم المادي، ثم أصبحت شركة تبيع المعرفة، ثم تحولت إلى ناشر تعليمي عالمي، ثم أعادت بناء نفسها لتصبح شركة تقيس المهارات وتمنحها الثقة.

في القرن التاسع عشر، كانت القيمة في بناء الأنفاق والموانئ.

في القرن العشرين، أصبحت القيمة في الإعلام والنشر والمعرفة.

في نهاية القرن العشرين، أصبحت القيمة في التعليم والمناهج.

أما اليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، فإن القيمة تنتقل إلى المهارة الموثقة.

وهنا تريد بيرسون (Pearson) أن تجد موقعها.

فالعالم القادم لن يعاني من نقص المحتوى. المحتوى سيصبح وفيرًا إلى حد الفوضى. السؤال الحقيقي سيكون: من يعرف؟ من يستطيع؟ من يثبت ذلك؟ ومن نثق في شهادته؟

بيرسون (Pearson) تريد أن تكون الجواب المؤسسي عن هذا السؤال.

لقد خرجت من المقاولات، ثم من الإعلام، ثم قلصت اعتمادها على النشر التقليدي، وها هي اليوم تحاول بناء مستقبلها حول التقييمات، المهارات، الذكاء الاصطناعي، والثقة.



إنها شركة أصغر من إمبراطوريتها القديمة، لكنها ربما أصبحت أقرب إلى اقتصاد المستقبل.


متجر مكنة، رفيقك في رحلة اعمالك (أنقر هنا)