الفيفا (FIFA): من شرعية القواعد إلى منصة حقوق رياضية عالمية

11 يونيو 2026
مدونة مكنة
الفيفا (FIFA): من شرعية القواعد إلى منصة حقوق رياضية عالمية

تحرير: مدونة مكنة



مدخل منهجي: قراءة الفيفا كنموذج عمل لا كمؤسسة رياضية فقط

لا تُقرأ الفيفا كشركة مدرجة؛ فلا سهم لها، ولا قيمة سوقية، ولا مساهمون ينتظرون توزيعات. لكنها تدير أحد أكثر نماذج الحقوق الرياضية نفوذًا في العالم: منظمة غير ربحية في شكلها القانوني، تعمل بمنطق تجاري يقوم على بيع حقوق بطولات عالمية قبل تسليمها، ثم إعادة ضخ جزء كبير من العوائد في تنظيم المسابقات، الجوائز، برامج التطوير، والاتحادات الوطنية.

بحسب التقرير السنوي للفيفا 2025، بلغت إيرادات الفيفا والدخل الآخر في 2025 نحو 2.661 مليار دولار، مقابل موازنة مستهدفة قدرها 2.436 مليار دولار، أي تجاوز بنحو 225 مليون دولار أو حوالي 9%. لكن العام نفسه سجل صافي نتيجة سالبًا يقارب 262.8 مليون دولار؛ لذلك لا تكفي القراءة السنوية وحدها. الوحدة التحليلية الأدق هي الدورة الرباعية: دورة 2023–2026 تستهدف 13.000 مليار دولار، وقد تم التعاقد على نحو 93% منها بنهاية 2025.

هذه الطبيعة تجعل الفيفا أقرب إلى نموذج إيراد متعاقد عليه مسبقًا: تبيع حقوق البث والرعاية والتسويق قبل تسليم الحدث، فتحصل على رؤية مالية طويلة وتمويل مسبق للتشغيل، لكنها في المقابل تتحمل التزامًا ثقيلًا بالتسليم مهما تغيرت الظروف. لذلك تصبح الثقة، الحوكمة، الجاهزية التشغيلية، واستقرار العلاقة مع الشركاء جزءًا من نموذج العمل نفسه، لا عناصر مساندة خارجه.



1) نموذج الشرعية التنظيمية: حق إدارة اللعبة قبل بيعها

بدأت الفيفا عام 1904 من أصل غير مالي: الشرعية. تأسست في باريس في 21 مايو 1904 بمشاركة ممثلين من فرنسا وبلجيكا والدنمارك وهولندا وإسبانيا والسويد وسويسرا. كانت القواعد الأولى تدور حول الاعتراف المتبادل بين الاتحادات، منع ازدواجية تمثيل اللاعبين، الاعتراف بالعقوبات، وتوحيد قوانين المباريات.

في هذه المرحلة كان عرض القيمة هو تنظيم الفوضى العابرة للحدود. المستفيد الرئيسي لم يكن جمهورًا عالميًا ولا شركة بث، بل الاتحاد الوطني الذي يحتاج إلى إطار اعتراف وقواعد. لم تكن الفيفا تبيع مباراة أو بطولة؛ كانت تبني حقها في أن تكون الجهة التي تقول: من يلعب؟ تحت أي قواعد؟ وبأي اعتراف دولي؟

هذا الأصل غير الملموس هو أساس النموذج كله. فقبل أن تتحول الفيفا إلى مالك لحقوق بث ورعاية، كان عليها أن تصبح مالكًا للشرعية التنظيمية. ومن دون هذه الشرعية، لا توجد بطولة مركزية، ولا حقوق حصرية، ولا قدرة على جمع الاتحادات والدول والرعاة حول منتج واحد.




2) نموذج البطولة العالمية: تحويل الشرعية إلى منتج قابل للتكرار

مع جول ريميه، انتقلت الفيفا من تنظيم العلاقات بين الاتحادات إلى إنتاج حدث عالمي. بعد نجاح كرة القدم في أولمبيادي 1924 و1928، أطلقت الفيفا أول كأس عالم في 1930 في أوروغواي. هنا تغيّر النموذج جذريًا: لم تعد الفيفا تقدم قواعد فقط، بل أصبحت تمتلك بطولة عالمية قابلة للتكرار والتطوير.

لكن كأس العالم لم تولد كآلة مالية مكتملة. من 1930 إلى ما قبل الانفجار التجاري في السبعينيات، كان المنتج قد اكتسب قيمة رياضية ورمزية، لكنه لم يكن قد تحول بعد إلى محفظة حقوق ناضجة. الفيفا امتلكت المنتج، لكنها لم تكن قد طورت بالكامل أدوات تسييله: البث العالمي واسع النطاق، الرعاية متعددة الفئات، الضيافة التجارية، والترخيص.

هذه المرحلة مهمة لأنها تفسر أن نموذج الفيفا لم ينمو دفعة واحدة. الشرعية أنتجت البطولة، والبطولة احتاجت عقودًا حتى تصبح أصلًا تجاريًا. بمعنى آخر: الفيفا بنت أولًا الندرة، ثم تعلّمت لاحقًا كيف تبيعها.




3) نموذج التسييل التجاري: داسلر وISL وصناعة لغة الحقوق

التحول التجاري للفيفا لا يمكن سرده دون الإشارة إلى جواو هافيلانج، الذي تولى الرئاسة عام 1974، ولا إلى دور هورست داسلر وشركة ISL في بناء منطق الرعاية والحقوق خلال السبعينيات والثمانينيات. في تلك المرحلة لم تعد كأس العالم مجرد بطولة؛ أصبحت حزمة حقوق قابلة للبيع: بث، رعاية، حصرية، فئات تجارية، وترخيص.

تحول “من يدفع” من داخل المنظومة الرياضية إلى خارجها. دخلت شركات الإعلام والعلامات التجارية العالمية باعتبارها مشترين لقيمة الجمهور والانتباه والارتباط الرمزي. كما تحول “ما يُباع” من مباراة إلى حق تجاري: حق النقل، حق الرعاية، حق الارتباط بالحدث، وحق استخدام العلامة.



لكن هذا النمو السريع حمل هشاشة بنيوية. فكلما ارتفعت قيمة الحقوق، زادت الحاجة إلى أنظمة رقابة قادرة على ضبط الوسطاء والعقود والامتيازات. لذلك لم يكن انهيار ISL والجدل اللاحق حول علاقات التسويق والحقوق مجرد تفصيل تاريخي؛ بل كان إشارة مبكرة إلى أن النمو التجاري للفيفا كان يسبق أحيانًا نضج الحوكمة التي تحميه.



4) نموذج العولمة الرياضية: توسيع السوق قبل تعظيم الهامش

في عهد هافيلانج، ارتبط التوسع الرياضي بالتوسع التجاري. لكي ترتفع قيمة كأس العالم، كان عليها أن تصبح عالمية فعلًا، لا أوروبية المركز. لذلك اتسع حضور الاتحادات غير الأوروبية، وتحوّل التمثيل الجغرافي إلى جزء من منطق النمو.

في كأس العالم 1974 كان تمثيل أفريقيا وأوقيانوسيا وكونكاكاف محدودًا، ولم تشارك منتخبات آسيوية. وبحلول 1982 ظهرت منتخبات مثل الكويت، نيوزيلندا، الجزائر، الكاميرون، هندوراس، والسلفادور.

هذا التوسع أعاد تعريف شرائح السوق. كل اتحاد جديد كان يعني جمهورًا جديدًا، وسوق بث محتملة، ورعاة أكثر اهتمامًا، ونفوذًا مؤسسيًا أوسع. لكن العولمة رفعت أيضًا تكلفة إدارة المصالح: اتحادات كبيرة وصغيرة، قارات مختلفة، احتياجات تطويرية متفاوتة، وتوازن دائم بين القيمة التجارية والتمثيل.

من منظور نموذج العمل، كانت العولمة استثمارًا طويل الأجل في حجم السوق. الفيفا وسّعت قاعدة الطلب قبل أن تعظّم السعر.



5) قوة التسعير: لماذا تستطيع الفيفا بيع الحقوق بقيمة مرتفعة؟

تعتمد قوة تسعير الفيفا على ثلاثة عناصر: الندرة، الحصرية، وغياب البديل المباشر. كأس العالم للرجال حدث لا يتكرر سنويًا، ويجمع منتخبات وطنية تحت مظلة واحدة، ويخلق طلبًا عالميًا يصعب على منتج رياضي آخر نسخه بالطريقة نفسها. هذه الندرة تمنح الفيفا قدرة على بيع الحقوق قبل التسليم وبأسعار مرتفعة. لكن التوسع يخلق مفارقة. فكلما أضافت الفيفا بطولات جديدة — كأس العالم للأندية، بطولات السيدات، الفئات السنية، والمنتجات الرقمية — توسعت المحفظة وزادت فرص الإيراد. لكنها في الوقت نفسه قد تخفف جزءًا من الندرة التي جعلت كأس العالم قويًا أصلًا.


السؤال الاستراتيجي هنا ليس هل المزيد من البطولات يعني المزيد من الإيرادات، بل: هل يعزز التوسع قوة تسعير الفيفا أم يستهلك من ندرة المنتج الأساسي؟


تظهر هذه المفارقة في مقارنة الدورات. تستهدف الفيفا 13.000 مليار دولار في دورة 2023–2026، و14.000 مليار دولار في دورة 2027–2030. الزيادة تعادل نحو 7.7% فقط بين الدورتين، رغم توسع المحفظة والبطولات المستقبلية. يمكن قراءة ذلك بثلاث طرق: إما تحفظ تخطيطي، أو إدراك بأن بعض البطولات الجديدة أقل هامشية من كأس العالم، أو تسعير واقعي لسوق بث ورعاية يقترب من التشبع.

هذه المقارنة تمنع القراءة الاحتفالية للتوسع. فالقيمة لا تقاس بعدد البطولات فقط، بل بقوة تسعير كل بطولة، وهامشها، وقدرتها على جذب أموال جديدة لا إعادة توزيع الأموال نفسها داخل السوق.



6) طبقات تسييل الحدث الواحد: الشاشة، الراعي، والملعب

عندما نضج التلفزيون، تحول الملعب من قناة وحيدة إلى جزء من منظومة أوسع. الجمهور البعيد يدفع عبر حقوق البث، والعلامة التجارية تدفع عبر الرعاية، والجمهور الحاضر يدفع عبر التذاكر والضيافة.



بحسب التقرير السنوي للفيفا 2025 ، بلغت حقوق البث في 2025 نحو 1.044 مليار دولار، وحقوق التسويق والرعاية 965 مليون دولار، بينما بلغت التذاكر والضيافة 411 مليون دولار. هذه الأرقام كلها داخلة ضمن إجمالي إيرادات 2025 البالغ 2.661 مليار دولار.

هنا تظهر بنية التسييل الحديثة: الحدث الواحد لا يدر دخلًا من قناة واحدة، بل من طبقات. البث يبيع الوصول، الرعاية تبيع الارتباط، والضيافة تبيع التجربة. لكن كل طبقة لها حساسية مختلفة. البث يتأثر باقتصاد الإعلام الرياضي. الرعاية تتأثر بالسمعة والثقة. التذاكر والضيافة تتأثر بالموقع والأسعار والطلب الفعلي وتجربة الحضور. لذلك لا يكفي أن تكون البطولة مشهورة؛ يجب أن تكون قابلة للتسعير عبر كل هذه الطبقات في الوقت نفسه.



7) نموذج المحفظة: من كأس عالم واحدة إلى أصول متعددة

قوة كأس العالم للرجال هي أيضًا نقطة هشاشة. فهو المنتج الأعلى قيمة، لكنه دوري. لذلك توسعت الفيفا نحو محفظة أوسع: كأس العالم للسيدات، كأس العالم للأندية، بطولات الفئات السنية، FIFAe، والألعاب والمنتجات الرقمية.

هذا التحول لا يهدف فقط إلى زيادة الإيرادات، بل إلى تخفيف الدورية. فكلما امتلكت الفيفا أصولًا بين دورات كأس العالم، زادت قدرتها على الحفاظ على حضور تجاري وتشغيلي مستمر. لكن المحفظة تفتح سؤالًا اقتصاديًا مهمًا: ما تكلفة الفرصة في الروزنامة؟

وقت اللاعبين، اهتمام الجماهير، وميزانيات البث والرعاية موارد محدودة. كل بطولة جديدة للفيفا تسحب من المخزون نفسه الذي تبيع منه الدوريات، الأندية، والاتحادات القارية. لذلك فإن توسع المحفظة لا يُقاس فقط بإيراد البطولة الجديدة، بل بما إذا كانت تضيف طلبًا جديدًا أم تزاحم طلبًا قائمًا.



8) كأس العالم للأندية 2025: اختبار الهامش لا اختبار الإيراد فقط

كأس العالم للأندية 2025 هي أوضح اختبار لاستراتيجية المحفظة. ضمت البطولة 32 ناديًا و63 مباراة، وحققت إيرادات تقارب 2.126 مليار دولار. هذا الرقم ليس منفصلًا عن إجمالي إيرادات الفيفا لعام 2025 البالغ 2.661 مليار دولار؛ بل هو المكوّن الأكبر داخله. توزع الرقم تقريبًا بين 1.000 مليار دولار من البث، و669 مليون دولار من التسويق والرعاية، و411 مليون دولار من التذاكر والضيافة.

لكن الإيراد وحده لا يثبت نموذج العمل. عند وضع التكاليف الرئيسية بجانبه تظهر الصورة الأكثر صرامة: استثمار تشغيلي بنحو 839 مليون دولار، وجوائز للأندية بنحو 1.000 مليار دولار، وصندوق تضامن يصل إلى 250 مليون دولار. أي أن مجموع هذه البنود يبلغ نحو 2.089 مليار دولار، مقابل إيرادات 2.126 مليار دولار؛ ما يترك هامشًا تقريبيًا أوليًا في حدود 37 مليون دولار فقط قبل أي بنود أو تخصيصات أخرى.

هذا الحساب هو جوهر القصة: كأس العالم للأندية تبدو واعدة من حيث الإيراد، لكنها أقرب إلى اختبار بناء أصل طويل الأجل منها إلى آلة هامش فوري. نجاح نسخة 2025 لا يكفي للحكم على الاستدامة. الاختبار الحقيقي سيكون في نسخة 2029: هل يمكن تكرار حقوق البث والرعاية؟ هل تبقى الجوائز بهذا الحجم؟ وهل يسمح ضغط الروزنامة بتوسيع البطولة دون مقاومة من الأندية واللاعبين؟

الحكم الأدق: البطولة أصل تجاري واعد، لكنه لم يثبت بعد قدرته على إنتاج هامش مستدام.



9) كرة القدم النسائية: نمو واضح يحتاج إلى معيار تكلفة واضح

يمثل ملف كرة القدم النسائية أحد أهم محاور النمو المستقبلي للفيفا. تستهدف كأس العالم للسيدات 2027 إيرادات قدرها 1.202 مليار دولار، منها 424 مليون دولار من البث و616 مليون دولار من التسويق والرعاية. كما تشير البيانات إلى أن ميزانية حدث كأس العالم للسيدات 2027 تقارب 800 مليون دولار، وأن الفيفا وافقت على توسيع نسخة 2031 إلى 48 منتخبًا.

إذا قورنت الإيرادات المستهدفة البالغة 1.202 مليار دولار بميزانية حدث تقارب 800 مليون دولار، يظهر هامش أولي تقريبي يقارب 402 مليون دولار قبل التخصيصات والبنود غير المفصلة. هذا لا يكفي للحكم النهائي، لكنه أفضل من الاكتفاء بذكر الإيراد وحده. فإيراد بلا هيكل تكلفة ليس نموذج عمل؛ هو فقط رقم جذب.

الفرصة هنا أن كرة القدم النسائية قد تمنح الفيفا سوقًا متنامية لا تعتمد بالكامل على إرث كأس العالم للرجال. لكن التحدي أن بناء السوق يحتاج إلى استثمار طويل الأجل في جودة المنتج، التوزيع، الرعاية، وتسعير الحقوق عبر مناطق تختلف فيها شعبية اللعبة وتطورها التجاري.



10) الحوكمة كأصل تجاري: الثقة تحمي قابلية التسعير

أزمة 2015 لا تُقرأ هنا بوصفها ملفًا سياسيًا، بل بوصفها درسًا في اقتصاد الحقوق. عندما تصبح الحقوق بمليارات الدولارات، لا تعود الحوكمة مسألة داخلية؛ تصبح أصلًا تجاريًا يحمي قابلية التسعير. الاتهامات التي طالت مسؤولين في الفيفا، وما تبعها من إيقاف سيب بلاتر، كشفت أن الرعاة وشركات البث لا يشترون البطولة وحدها؛ يشترون الثقة في الجهة المالكة للحقوق.

بعد انتخاب جياني إنفانتينو في 2016، بدأت الفيفا إصلاحات مؤسسية ضمن رؤية FIFA 2.0. شملت الإصلاحات استبدال اللجنة التنفيذية بمجلس الفيفا، وتوسيع المجلس إلى 36 عضوًا، والفصل بين الدور السياسي أو الاستراتيجي والدور التنفيذي، وتحديد مدد العضوية بحد أقصى 12 عامًا، وتعزيز الإفصاح والامتثال.

بلغة نموذج العمل: الامتثال ليس تكلفة إدارية فقط، بل تأمين لقيمة الحقوق. والإفصاح ليس تفصيلًا شكليًا، بل أداة لخفض مخاطر التعاقد. ومع ذلك، لا ينبغي تقديم الإصلاح كقصة مكتملة بلا أسئلة. فالفيفا لا تزال تجمع بين أدوار متعددة: تنظيم اللعبة، بيع الحقوق، توزيع الموارد، إدارة الروزنامة، والتفاوض مع المضيفين والشركاء. هذا التداخل يجعل الحوكمة اختبارًا مستمرًا لا مرحلة منتهية.



11) مخاطر الطرف المضيف: التشغيل حين يؤثر في التسعير

قرارات الاستضافة تدخل مباشرة في نموذج العمل لأنها تحدد قدرة الفيفا على تسليم المنتج. الدولة المضيفة لا تقدم الملاعب فقط؛ بل توفر البنية التحتية، التأشيرات، اللوجستيات، الأمن التشغيلي، النقل، العملة، والبيئة التنظيمية.

تشمل المخاطر المستقبلية للفيفا عناصر مثل تنفيذ كأس العالم 2026 بثلاث دول و48 منتخبًا و104 مباريات، وارتفاع التكاليف، والتأشيرات، والسفر، والعملات، والتنظيم.

هذه ليست مخاطر تشغيلية معزولة؛ لها أثر مباشر على شهية الرعاة وتسعير الحقوق. فكلما زاد تعقيد التسليم، زادت الحاجة إلى احتياطيات، عقود مرنة، وخطط تشغيلية دقيقة. هنا يصبح الطرف المضيف شريكًا في خلق القيمة ومصدرًا محتملًا لتآكلها في الوقت نفسه.



12) المنصة الرقمية: الانتشار لا يساوي إيرادًا

بدأت الفيفا تبحث عن علاقة أكثر استمرارية مع الجمهور خارج إيقاع البطولات الكبرى. لذلك توسعت في FIFAe، وFIFA Super Soccer على Roblox، وFIFA Rivals مع Mythical Games، وشراكات مع Netflix Games وSports Interactive. وتشير البيانات إلى أن Roblox تمتلك قاعدة مستخدمين يومية تتجاوز 151 مليون مستخدم.

كما استخدمت الفيفا نموذج بث رقمي عبر DAZN في كأس العالم للأندية 2025، وتذكر الفيفا أن القنوات الاجتماعية حققت أكثر من 10 مليارات انطباع، وأن 80% من المشاهدين تفاعلوا مع المحتوى غير المباشر مثل المقاطع والإعادات. هذه الأرقام مصدرها الفيفا، ويجب قراءتها كمقاييس وصول وتفاعل تختلف منهجيًا عن مقاييس الإيراد المدققة محاسبيًا.



لكن النقد لا يكتمل بمجرد القول إن الانتشار لا يساوي دخلًا. السؤال هو: كيف يمكن أن يتحول إلى دخل؟ المسارات المحتملة تشمل اشتراكات مباشرة أو هجينة عبر FIFA+، بيع حقوق رقمية مجزأة حسب الأسواق، بيانات جماهيرية أكثر دقة للرعاة، تجارة إلكترونية وترخيص داخل الألعاب، وتجارب مدفوعة مرتبطة بالمحتوى القصير أو المجتمعات الرقمية.

حتى الآن، لا تظهر البيانات المتاحة أن المنتجات الرقمية أصبحت مصدرًا بحجم البث والرعاية. لكنها تمثل خيارًا استراتيجيًا لتقليل اعتماد الفيفا على دورة الحدث الكبير، بشرط أن تثبت قدرتها على تحويل الوصول إلى إيراد.



13) البيانات والذكاء الاصطناعي: المباراة كبنية معلومات

مع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي عبر Football Technology Centre AG، بدأت الفيفا تنظر إلى المباراة بوصفها مصدرًا لملايين نقاط البيانات. يمكن لهذه البيانات أن تدعم التحكيم، التحليل الفني، تجربة الجمهور، وربما منتجات مستقبلية مرتبطة بالمعلومات الرياضية.

لكنها حتى الآن تبدو أقرب إلى تحسين المنتج الرياضي منها إلى خط إيراد مستقل. وإذا أرادت الفيفا تحويل البيانات إلى نموذج تجاري واضح، فستحتاج إلى إجابات حول ملكية البيانات، حقوق اللاعبين والأندية، خصوصية المستخدمين، وتسعير المنتجات التحليلية.

هذه المرحلة تكرر نمطًا قديمًا في تاريخ الفيفا: أصل جديد يبدأ كأداة لتحسين اللعبة، ثم تظهر إمكانية تسييله، ثم يحتاج إلى حوكمة تضبطه.



14) السيولة المقيدة: الرقم الكبير ليس كله حرًا

في 2025 بلغ إجمالي أصول الفيفا نحو 9.480 مليار دولار، وبلغ النقد والأصول المالية نحو 6.948 مليار دولار، أي حوالي 73% من الأصول، بينما بلغت الاحتياطيات نحو 2.699 مليار دولار. هذه أرقام قوية، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة.

تشير البيانات إلى التزامات تعاقدية مرتبطة ببطولات مستقبلية بنحو 5.218 مليار دولار. وبطرح هذه الالتزامات من النقد والأصول المالية، تظهر سيولة حرة تقريبية في حدود 1.730 مليار دولار. هذا حساب تقريبي لا يغني عن تفصيل محاسبي كامل، لكنه يعطي صورة أوضح من النظر إلى رقم النقد وحده.

الاستنتاج هنا أن الفيفا قوية ماليًا، لكنها تعمل بنموذج يتطلب تسليمًا مستقبليًا كبيرًا. السيولة ليست مجرد احتياطي مريح؛ جزء منها مقابل حقوق وارتباطات يجب الوفاء بها في بطولات قادمة.



15) مستقبل النموذج: توسع محسوب أم تشبع مبكر؟

يدخل نموذج الفيفا مرحلة جديدة مع كأس العالم 2026، أول نسخة تضم 48 منتخبًا و104 مباريات في كندا والمكسيك والولايات المتحدة. وتصل مساهمات الفيفا للمنتخبات المشاركة إلى نحو 727 مليون دولار، بينما يحصل البطل على 50 مليون دولار.

لكن مقارنة مستهدفات الدورات تكشف سؤالًا أعمق: إذا كانت دورة 2023–2026 تستهدف 13.000 مليار دولار، ودورة 2027–2030 تستهدف 14.000 مليار دولار فقط، فهل يعكس ذلك تحفظًا إداريًا، أم أن السوق لا يستطيع امتصاص توسع أسرع في الحقوق، أم أن المنتجات الجديدة أقل هامشًا من المنتج المركزي؟

هذا هو الاختبار الحقيقي لنموذج الفيفا القادم. ليس المطلوب إضافة بطولات فقط، بل إثبات أن كل بطولة تضيف قيمة صافية: إيرادًا جديدًا، هامشًا قابلًا للاستمرار، قبولًا من الشركاء، وعدم تآكل في ندرة المنتج الأساسي.



دروس من رحلة الفيفا

تطور نموذج الفيفا يكشف أن القيمة المؤسسية لا تأتي من أصل واحد، بل من طبقات متراكبة. بدأت المنظمة بشرعية تنظيمية تمنحها حق إدارة اللعبة، ثم حوّلت هذه الشرعية إلى كأس عالم، ثم حوّلت البطولة إلى حقوق بث ورعاية، ثم أضافت طبقات التذاكر والضيافة والترخيص، ثم وسعت المحفظة نحو الأندية والسيدات والمنتجات الرقمية والبيانات.

لكن كل طبقة جديدة رفعت التعقيد. الحقوق احتاجت إلى حوكمة. الرعاية احتاجت إلى ثقة. البطولات الجديدة احتاجت إلى روزنامة قابلة للتحمل. المنصات الرقمية احتاجت إلى نموذج تسييل. والسيولة الكبيرة احتاجت إلى تمييز بين النقد الحر والنقد المرتبط بالتزامات مستقبلية.

السؤال هو: كيف تغيّر منطق خلق القيمة في الفيفا، وما الثمن التشغيلي والمالي لكل تحول؟

الإجابة أن الفيفا لا تملك كرة القدم كما تملك الشركة مصنعًا أو منتجًا. إنها تملك البنية التي تجعل كرة القدم العالمية قابلة للتنظيم، والتسويق، والتوزيع، وإعادة الاستثمار. هذه البنية هي مصدر قوتها، وهي أيضًا مصدر مخاطرها. مستقبل النموذج سيتحدد بخمسة اختبارات: تنفيذ كأس العالم 2026، استدامة كأس العالم للأندية 2029، نمو كرة القدم النسائية بهوامش واضحة، تحويل الانتشار الرقمي إلى دخل، والحفاظ على ثقة الشركاء في الحوكمة والتسليم.



مراجع مختصرة

  1. تقرير الفيفا السنوي 2025: الأرقام المالية، إيرادات 2025، توزيع مصادر الإيراد، الأصول، النقد، الالتزامات، الاحتياطيات، ومؤشرات كأس العالم للأندية.
  2. فصل FIFA — Tom Bason, Paul Salisbury, Simon Gérard: النشأة، تطور الرئاسة، مرحلة هافيلانج، أزمة 2015، وإصلاحات ما بعد 2016.



متجر مكنة، رفيقك في رحلة اعمالك (أنقر هنا)